منتديات احباب عرب  

العودة   منتديات احباب عرب > ^~*¤©[£]القسم الاداري[£]©¤*~^ > قسم المواضيع المكررة والمحزوفة

قراءة في كتاب الموازنة بين الطائيين

قراءة في كتاب الموازنة بين الطائيين تمهيد: لقد شهد العصر العباسي تطوراً ملموساً في الحياة العامة: اجتماعية كانت أم ثقافية أم سياسية، وبدأ الإنسان يتمتع بالتحضر والمدنية والترف والنعيم المادي،

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-17-2012, 12:50 PM
الصورة الرمزية رشاء احمد
رشاء احمد غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركات: 64,439
معدل تقييم المستوى: 82
رشاء احمد has much to be proud ofرشاء احمد has much to be proud ofرشاء احمد has much to be proud ofرشاء احمد has much to be proud ofرشاء احمد has much to be proud ofرشاء احمد has much to be proud ofرشاء احمد has much to be proud ofرشاء احمد has much to be proud of
موضوع منقول قراءة في كتاب الموازنة بين الطائيين

قراءة في كتاب الموازنة بين الطائيين
تمهيد:
لقد شهد العصر العباسي تطوراً ملموساً في الحياة العامة: اجتماعية كانت أم ثقافية أم سياسية، وبدأ الإنسان يتمتع بالتحضر والمدنية والترف والنعيم المادي، فاستجاب قوم لتلك الظروف الجديدة استجابة متباينة، فمنهم من أسرف فيها، ومنهم من تردد منها، وترى الناس حينئذ شتى بين راكب للموجة وبين عازف عنها، وعلى مقتضى ذلك مالت طائفة من الشعراء إلى العناية بالصورة اللفظية وإثقالها بالمحسنات البديعية وتعميق معانيها بالغموض والتكّلف، وعلى رأس هذه الطائفة يقف أبو تمام ومسلم بن الوليد، وقد دعاها النقاد القدامى بأنصار الصنعة، في حين بقيت طائفة أخرى تحذو حذو الأوائل في العناية بعذوبة العبارة وانتقاء ألفاظها الأكثر موسيقية والأفضل إبانة، مبتعدة عن الزخرف الإضافي، وعلى رأس هذه الطائفة يتربع البحتري وأبو العتاهية، وقد عرفها النقاد بأنصار الطبع.
وبغية التعرف على هاتين الطائفتين بشيء من الإيجاز سنأخذ أبا تمام مثالاً لأهل الصنعة، والبحتري لأهل الطبع، ولئلا نقع في بوتقة الانحياز النقدي فما علينا إلا قراءة ديواني الشاعرين بصورة دقيقة ومتأنية، لغرض فرز الحالات المطلوب دراستها والتعرف عليها من حيث بناؤها الفني والدلالي، والمتمكن من إعطاء صورة واضحة لهذين الشاعرين الكبيرين، ثم الاستئناس برأي الناقد الآمدي في موازنته بين هذين الطائيين.
1 _أطراف الخصومة:
لابد لنا، ونحن نتحدّث عن الخصومة بين الطائيين، أن نتعرّف إلى طرفي الصراع، وإلى هوية الفئات التي تنتمي إلى كل طرف.
فأبو تمام: هو حبيب بن أوس الطائي، ولد في قرية جاسم ـ من أعمال دمشق ـ سنة (190هـ) من أبوين فقيرين، وتنقل به أبوه إلى مصر، وكان حبيب في ذلك الحين صغيراً، فلبثوا هناك يشتغلون بمهن بسيطة، حيث تولى هذا الشاب سقاية المصلين في جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، وكان لطول إقامته في المسجد بين أئمة اللغة والفقه والحديث والمنطق، مما حبب إليه الأدب فتعلّم العربية وحفظ الكثير من شعر العرب فنمت شاعريته، ثم عاد إلى الشام ولبث فيها مدة يمدح رؤساء وولاة الدولة، وذاع اسمه في الجزيرة وبلاد الشام، ثم قدم إلى العراق حيث قصد حاضرة العالم آنذاك وعاصمة الخلافة العباسية (بغداد)، فاتصل بالبلاط العباسي ومدح الخليفة المعتصم وبعضاً من وزرائه وولاته وقواده كالوزير محمد بن عبد الملك الزيات والحسن بن وهب ـ أحد رؤساء الكتاب ـ ومحمد بن حميد الطوسي الطائي ـ أحد القواد ـ.
وكذلك قصد خراسان وبلاد الكرج وأرمينية، ومدح من مدح، فانبسطت الدنيا أمام شاعرنا وتفتحت له أبواب الخير والعطاء، فصار من ذوي المال واليسار حتى أن الحسن بن وهب ـ صاحب ديوان الرسائل ـ قد ولاه بريد ولاية الموصل، فأقام بالموصل ما يقارب السنتين وتوفي بها سنة 231هـ.
وديوان شعره يضم ثمانية أغراض: مديح، هجاء، عتاب، وصف، فخر، حكمة، غزل، ورثاء. وكان أكثر تلك الأغراض وأجلها (المديح) حيث جاء في ما يقرب من (157) مائة وسبع وخمسين قصيدة مديح استغرقت الجزأين الأول والثاني من الديوان.
وانك لتجد أثر ثقافة عصره جليا في شعره، فغذى حصيلته الفكرية من مناهل القرآن الكريم بصورة خاصة، ومن أدب العرب وتاريخهم وأمثالهم وأساطيرهم وعقائدهم إضافة إلى الفلسفة وعلم المنطق، ليضم كل ذلك إلى الرائع من معانيه والجميل من صوره، ولكنه ينزع في معظم ذلك إلى الأغراب في اللفظة وتركيب الصورة في الصورة خالطاً بين الألوان مهتماً بوجوه التصنيع وعلى درجة واضحة من الزخرفة البديعية.

* وأما البحتري: فهو: أبو عبادة الوليد بن عبيد، ولد سنة (206هـ) في قرية منبج، بين حلب والفرات، لعائلة يعود أصلها إلى (بحتر) احد أفخاذ قبيلة (طيء) فأخذ يتردد على مضارب هذه القبيلة، ويرضع من فصاحتها وينهل من مناهلها، فتلقى ثقافته الأولى فيها، وهي بين حفظ آيات القرآن الحكيم وتعلّم أحكام الدين الإسلامي وشيء من السنّة النبوية وبليغ الشعر والنثر وأخبار الفتوح و المغازي ومما يرتبط بأيام العرب وأنسابهم، إضافة إلى جانب من علوم اللغة، ونجد ذلك واضحاً من خلال المرور بديوان شعره الذي يزودك بومضات من أبياته وقصائده التي ترى بريق تلك المناهل فيها.
وجاء في الموسوعة الإسلامية: "وبعد أن وقف محاولاته الشعرية الأولى (223ـ6/837ـ40) على مدح قبيلته، بدأ يبحث عمّن يرعاه فوجد ضالته في أبي سعيد يوسف بن محمد الطائي المعروف بـ: الثّغري والذي في بيته التقى لأول مرة بالشاعر أبي تمام الذي يدعي هو أيضا أنه من طيء وقد أخذ بموهبته الفنية ونصحه بأن يمدح (أهل معرّة النعمان فمدحهم) وأجري له أربعة آلاف درهم..".
وكان البحتري قد نزل حمص، وعرض شعره على أبي تمام الذي باركه بالتوجيه والتشجيع والنصيحة، ورحل البحتري إلى بغداد وسرّ من رأى والموصل، وقد كانت سنة (234هـ) التي التقى فيها بالفتح بن خاقان الذي قدمه إلى المتوكل لتبدأ مسيرة حياة البحتري كشاعر بلاط، ثم مدح المنتصر، فالمعتز، المهتدي، والمعتمد، فالمعتضد، وبعد ذلك غادر العراق وصار شاعر البلاط ثانية عند (خمارويه بن طولون)، بعدها عاد إلى مسقط رأسه، حيث وافاه الأجل سنة (284هـ).
والذي يتناول ديوان شعره، يجد في أغراضه: المديح، الهجاء، الوصف، الفخر، الحكمة، الغزل، الرثاء، والعتاب والاعتذار، وكان أكبرها في المدح، فهو كأستاذه أبي تمام في أصناف أغراضه، وهذه سمة ذلك العصر.
وكان البحتري قد تبوّأ مكانة رفيعة بين شعراء العربية في استخدام الخيال في التصوير، وتجنّب التعقيد ومستكره الألفاظ، والابتعاد عن الغريب من الاستعارات: "كما امتاز معظم شعره بالاستواء".
وشعر البحتري يعد وثيقة تاريخية لتصوير مظاهر الحضارة العباسية بأحداثها السياسية والاجتماعية واتجاهاتها الدينية والأدبية.
وبعد هذه اللمحة الموجزة التي خرجنا بها من ديواني الشاعرين كمنطوق أولي يتقدم المادة النقدية التي التزم بها الآمدي (ت370هـ) في موازنته بين الطائيين بعد الخصومة التي نشبت بين أنصارهما.
فاني سأعرض بشكل موجز بعض ما ورد في الموازنة من آراء وموضوعات نقدية متناولاً منهجه في رصد المادة العلمية التي ألف بها كتابه، موضحاً ذلك بين النظرية والتطبيق.
وسأعتمد نسخة السيد احمد صقر في تثبيت النصوص والهوامش لكمالها، ونقصان نسخة محمد محيي الدين عبد الحميد.
2 _مظاهر الخصومة:
للخصومة بين الطائيين مظاهر متعدّدة تجلّت فيها، " فكانت المنافسات الأدبية والرواية واحدة من هذه المظاهر، ثم جدّ مظهر آخر بتأليف الكتب التي تتناول طرفيها مدحاً أو قدحاً. وبوسعنا أن نرى في كتب السرقات التي ألفت، وفيما كتب عن طريقة كلا الشاعرين ومعانيهما، سواء ما ألّف منها في القرنين الثالث والرابع أم ما تلاهما، مظاهر ممتدّة ومتعدّدة لتلك الخصومة " ويمكننا أن نضيف إلى هذه المظاهر أيضاً، " مَيل كل فريق من فريقي الصراع إلى ما يشبه التحالف وتوحيد الجهود "
لكن ظاهرة الموازنة تعدّ أهم مظهر اتّخذته الخصومة حول الطائيين، وما كتاب الآمدي إلاّ صورة واضحة للتساؤل الذي كان يُطرح: أيّهما أشعر ؟ وظاهرة الموازنة بين الشعراء ليست جديدة في تراثنا النقدي، فهي موجودة في الجاهلية . وحكومة النابغة بين الشعراء، وموازنة أم جندب بين زوجها امرئ القيس وعلقمة الفحل في وصف الفرس، أكبر دليل على ذلك. لكن الجديد في الموازنة الناشئة عن الخصومة بين الطائيين، أنها موازنة بين مذهبين مختلفين، وإن كان طرفاها شاعرين ، وأنها موازنة بين أستاذ وتلميذه، وأنها أخيراً اتخذت طابعاً نقدياً منهجياً كما في كتاب الموازنة للآمدي، على حين اقتصرت الموازنة القديمة على الملاحظات الجزئية اليسيرة .
3_قضايا الخصومة: لم تقتصر الخصومة على المظاهر السابقة، وإنما أثارت قضايا عديدة، كانت هي بالتالي سبباً من أسباب الصراع. فالخصومة، والحال هذه، كانت ميداناً لنقاش الكثير من القضايا النقدية، التي يمكننا إجمالها في الأمور التالية: أ- التقليد والتجديد
لعلّ هذه القضية أبرز القضايا التي كانت المناقشة تدور حولها بين طرفي النزاع . فالبحتري أشعر من أبي تمام لأنه " أقوم بعمود الشعر " ، أي لأنه على مذهب القدماء. أما أبو تمام، فهو أشعر في نظر أنصاره، لأنه خرج على عمود الشعر.
إن معيار الصراع بين الفريقين، إذا، هو طريقة الأوائل، أو ما يسمّى بعمود الشعر. ومدى اقتراب الشاعر من هذه الطريقة أو ابتعاده عنها، هو مقياس الحكم عليه بالتقديم أو التأخير. والمفارقة الطريفة في هذا المجال، هي أن ما يُعدّ سبباً في تقدم الشاعر عند طرف، هو نفسه سببُ تأخيره عند الطرف الآخر، والعكس صحيح. .
لقد احتجّ أنصار أبي تمام، في تقديم صاحبهم، بأنه عنه " أخذ البحتري وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى " وقد اعترف البحتري نفسه " بأن جيّد أبي تمام خير من جيّده " .
والحجة الثانية لأنصار أبي تمام، هي أن صاحبهم انفرد بمذهب ابتدعه، وليس كذلك البحتري. يقول أدونيس: " والنقطة الثانية التي يحتج بها أنصار أبي تمام، هي انفراده بمذهب أخترعه وتأثر به جميع الشعراء الذين أتوا بعده، فكان لهم إماماً وكانوا له تابعين وليس للبحتري مثل هذا التفرّد وهذا التأثير".
ويناقش أنصار البحتري هذا الكلام، فيردّون على الحجة الأولى، بأن البحتري " ما صحب أبا تمام ولا تتلمذ له ولا روى ذلك أحدٌ عنه، ولا نقله، ولا رأى قط أنه محتاج إليه ". وإذا كان البحتري قد استعار بعض معاني أبي تمام، فهذا يعود إلى " قرب البلدين، وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعر أبي تمام، فيُعلّق شيئاً من معانيه، معتمداً للأخذ أو غير معتمد. وليس ذلك بمانع من أن يكون البحتري أشعر منه. فهذا كثيرّ قد أخذ عن جميل، وتَلْمَذَ له، واستقى من معانيه، فما رأينا أحداً أطلق على كثيّر أن جميلاً أشعر منه، بل هو أشعر من جميل ".
ويتابع أنصار البحتري ردّهم على الحجة الأولى، بقولهم: " وأمّا قول البحتري: " جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه "... فهو للبحتري، لا عليه ؛ لأن قوله هذا يدلّ على أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوي الشعر أولى بالتقدمة من المختلِف الشعر... ".
أما الحجة الثانية التي تقول بانفراد أبي تمام بمذهب اخترعه، فيردّ عليها خصومه، بأنه ليس " أولاً فيه، ولا سابقاً إليه، بل سلك في ذلك سبيل مسلم بن الوليد، واحتذى حذوه، وأفرط وأسرف وزال عن النهج المعروف والسنن المألوف " . وأصول هذا المذهب " منثورة متفرقة في أشعار المتقدمين... وفي كتاب الله عزّ وجلّ " . وكلّ ما فعله أبو تمام، هو أنه تبع هذا المذهب وأكثر منه " وأحبّ أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقاً وَعْراً، و استكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه " . هذان الجانبان كانا سبباً مهماً في نشوء قضية السرقات الأدبية. فخصوم أبي تمام، وهم يردّون على حجة أنصاره بسبقه في مذهبه، راحوا يبحثون عن أصول هذا المذهب في القديم، وعن سرقات خصمهم ممن تقدمه. وفي كتاب " الموازنة" نماذج كثيرة لسرقات أبي تمام من غيره ، كما أفرد أحمد بن أبي طاهر كتاباً في سرقات أبي تمام، في " الموازنة " نماذج منها . وقد كان على أنصار أبي تمام أيضاً، وهم يصمون البحتري بسرقة معاني صاحبهم، أن يدللوا على دعواهم بالشواهد، مما قادهم إلى البحث عن سرقات البحتري من أبي تمام ؛ فألّف أبو الضياء بشر بن يحيى كتاباً في سرقات البحتري من أبي تمام ودراسة سرقات البحتري من أبي تمام قادت أنصار الأخير إلى دراسة سرقات الأول من غيره من الشعراء أيضاً .
لقد أكدّ أنصار القديم أنّ " كتابة الشعر، بالنسبة إلى الشعراء اللاحقين، نوعٌ من التفريع على الشعر القديم، والاشتقاق منه. وما النقد إلاّ دراسة هذا التفريع وهذا الاشتقاق قياساً على أصولهما " هذا على حين رفض المجددون " كلّ ما لم يَعُدِ القصد منه يتطابق مع الحياة المستجدّة، وأكدوا على كذا) التفردّ والسبق والكشف في الشعر. وبذلك يصبح النقد إضاءة التفرّد والسبق والكشف، بحيث لايستمدّ أصوله النقدية من نصوص مَضَت، وإنما يستمدّها من النصوص المتفرّدة السبّاقة الكاشفة ذاتها. فكلّ تعبير جديد يفترض معايير جديدة أي نقداً جديداً ".
إنّ كلاّ من الفريقين المتخاصمين انطلق في حججه من التشبث بالماضي، وإن بدا الأمر غير ذلك. فأنصار الحديث يريدون أن يثبتوا أن لمذهبهم أصلاً في القديم، أما أنصار القديم فيردّون على خصومهم بأن تجديدهم في البديع مسبوقون إليه، وهو شائع بين الناس قبلهم. وعلينا أن نشير هنا إلى أن الخصومة في بعض جوانبها، لم تعارض المحدثين لحداثتهم، بل ‎‎ تناولت طريقة المحدثين في التجديد. فالبحتري قُبل لأنّ مذهبه وافق مذهب الأوائل، أما أبو تمام فرُفض لأن مذهبه خالف مذهب الأوائل.
إن هذه القضية من أهم القضايا التي أثارتها الخصومة، لأنها أساس هذه المعركة. فطريقة الأوائل هي معيار الصراع بين الفريقين، ما شابهها حُكم له، وما خالفها حُكم عليه. فانطلقت المناقشات تحتجّ وتردّ، تهاجم وتصدّ، وثار غبار كثيف كان له فضل على الحركة النقدية الأدبية عند العرب. فالموازنات ومشكلة السرقات، ممّا زخرت به كتب التراث، مظهر بارز من مظاهر تلك الخصومة، إن لم يكن أبرزها. وكلها يبحث عن أصالة الشاعر وتفرّده وتميّزه بالنسبة إلى خصمه من جهة، وإلى المتقدمين من جهة أخرى. إن عنوان أدبية النص وشاعرية الشاعر، هو التفرّد والأصالة. وكل ما ينقضهما، كالسبق والسرقة والتلمذة، يحطّ من شأن الشاعر، وينقص من أدبية أدبه وتستوقفنا في هذه المناقشة أمور في غاية الأهمية، نذكر منها ملاحظة أنصار البحتري أثر قرب بلدّي الشاعرَيْن في تشابه معانيهما، مما لا يطعن في شاعريتهما، ولا في أدبية شعرهما. كما تستوقفنا مناقشة الطرفين لصلة الشعر بالقديم، مما يدفعنا إلى القول إن أي تجديد شعري، إنما ينبغي أن ينطلق من الجذور، فيكون الجديد جديداً بمقدار ما فيه من تجاوز للقديم، من دون انقطاع عنه. فإذا كانت أدبية شعر البحتري تكمن في تقيّده بعمود الشعر - نسبياً -، فإن أدبية شعر أبي تمام، تكمن في خلقه مذهباً جديداً، أصوله البديعية مبثوثة في شعر القدماء. وإنما تجديده يكمن في تقيده بعمود الشعر - نسبياً -، فإن أديبة شعر أبي تمام، تكمن في خلقه مذهباً جديداً، أصوله البديعية مبثوثة في شعر القدماء. وإنما تجديده يكمن في وقوفه عند هذه النماذج وتطويرها وتركيبها، ممّا جعله خالقاً لمذهب جديد غير مألوف. ولابدّ من الإشارة، هنا، إلى أن الإغراق في نعت البحتري بالتقليد يغمطه حقه، فهو الآخر كان مجدّداً، وللبديع أثره الواضح في شعره. وإنما شروط الموازنة بينه وبين أبي تمام، جعلته يبدو مقلّداً، فأخمدت بريق صوره وبديعه وتجديده.
ب _الطبع والصنعة
يرى الآمدي أن أبا تمام والبحتري مختلفان، " لأنّ البحتري أعرابي الشعر، مطبوع وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف.. ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعة،... وشعره لايشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم " لقد انتبه، إذاً، خصوم أبي تمام إلى ما في شعر خصمهم من تكلف وصنعة، وما في شعر صاحبهم من طبع، فكانت هذه القضية ميداناً للنقاش بينهم وبين الطرف الآخر. فأبو تمام في نظرهم خارج على عمود الشعر، لأنه تكلّف وخرج إلى الصنعة، فتبع مسلماً بن الوليد في إفساد الشعر، بل زاد عليه " فاستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقاً وعراً.. لقد أراد البديع فخرج إلى المحال " .
لقد هاجم أنصار البحتري مذهب أبي تمام في البديع، " لاستكثاره منه، وإفراطه فيه " هذا على حين قبلوا شعر صاحبهم مع مافيه من الاستعارة والتجنيس والمطابقة ، لأنه " ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة "، أي لأنه لم يُغرق في الصنعة والتكلف. وهذا الكلام يعني أن النقاد القدماء لم يرفضوا الصنعة، لكنهم رفضوا الإغراق فيها. ولعلّ تنقيح الشعر الذي طالبوا الشعراء به، ما هو إلا صورة من صور الصنعة اللطيفة المحبّبة، التي رغبوا فيها.
وتستوقفنا في كلام الآمدي المتقدم تلك العلاقة الغريبة التي يقيمها بين الطبع وكلام الأوائل. فالمطبوع من الشعر هو ما كان يجري مجرى القدماء، لا ما يجري مجرى الذات المبدعة للفنان. لهذا السبب، مال النقاد إلى شعر الأعراب. وتعليل ذلك عند الآمدي: " أن الذي يورده الأعرابي - وهو محتذ على غير مثال - أحلى في النفوس، وأشهى إلى الأسماع، وأحق بالرواية والاستجادة مما يورده المحتذي على الأمثلة ".
انطلاقاً من هذا المبدأ رفض الأصمعي بيتي إسحاق بن إبراهيم الموصلي " لأنهما لليلتهما... وأثر الصنعة والتكلف بيّن عليهما " وكأن القضية ما عادت قضية طبع وصنعة، وإنما هي قضية تقليد وتجديد، فكل مقلّد مطبوع وكل مجدِّد صانع، وشعره ساقط.
غير أنّ في موقف النقاد هذا تناقضاً سافراً، فهم مالوا إلى شعر الأعرابّي لأنه " محتذٍ على غير مثال "، ورفضوا شعر إسحاق بن إبراهيم لأنه لليلته.. فهم لم يحكموا على بيتي إسحاق انطلاقاً من روح الحكم النقدي على شعر الأعرابي أي الاحتذاء على غير مثال)، و إنما من منطلق المعاصرة، وإن كان فيها ابتكار وإبداع أو احتذاء على غير مثال.
ويرى خليل مردم بك، استناداً إلى هذه القضية: كون شعر أبي تمام مصنوعاً وشعر البحتري مطبوعاً، أنّ " المفاضلة بين الشاعرين كالمفاضلة بين من يجيد الضرب على العود وبين من خلقه الله حسن الصوت " .
ويبقى، أخيراً، الحكم على شعر أبي تمام كله بالصنعة، وعلى شعر البحتري كله بالطبع، قاصراً، إذ أننا لانعدم وجود شعر مطبوع عند أبي تمام قد يفوق المطبوع من شعر البحتري، كما لا نعدم وجود شعر مصنوع عند البحتري. فالقضية إذا نسبية، ولا يمكن الكشف عنها إلاّ بالدراسة النقدية الموضوعية، لشعر كلّ منهما على حدة.
وخلاصة الكلام أن مقياس المفاضلة بين الشاعرين هو تلك الصنعة اللطيفة المحبّبة، التي لا تتعارض مع الطبع وتلقائية التعبير. أما سمات هذه الصنعة فتكمن في عدم الإغراق فيها مع شيء من التنقيح، وفي الإبداع على غير مثال. وهذا هو مذهب الأوائل.
وهكذا، تردّ قضية الطبع والّصنعة إلى مسألة التقليد والتجديد أو الأصالة والمعاصرة: فالأصالة في التقليد، أما التجديد والمعاصرة فمر فوضان وإن توافرت فيهما سمات الصنعة اللطيفة .
ج _اللفظ والمعنى
كانت قضية اللفظ والمعنى، أهم قضية دار حولها النقاش بين القدماء والمحدثين، بل إنها القضية الرئيسة، وما سواها متفرّع منها.
يحدثنا طه حسين عن تطور هذه القضية في العصرين الأموي والعباسي، فيقول: " كان القدماء والمحدثون أيام بني أمية يختلفون في اللفظ اختلافاً ظاهراً، وكانوا يتخذون اللفظ مقياساً لجودة الشعر، فكلما قرب هذا اللفظ من البداوة، وكلما كان رصيناً يملأ الفم ويهز السمع كان الشعر جيداً، أي إن جزالة اللفظ، وشدة القرب بينه وبين ألفاظ البادية في العصر الجاهلي كانت هي المزية الأولى للشاعر، ثم تأتي بعد ذلك جودة المعنى والتعمق فيه " .وقد استمرّ هذا الخلاف نفسه في أول العصر العباسي، " فاختلف الشعراء العباسيون، واختلف معهم الأدباء واللغويون في أيّ الشعرين أجمل وأرقى وأحسن: الشعر الذي يحتذي شعراء الجاهلية والإسلام في متانة اللفظ ورصانته وبداوته، أم الشعر الذي يتخير الألفاظ السهلة العذبة التي ألفها الناس عامة، لا علماء اللغة خاصة؟ " . وإلى جانب ذلك ظهر خلاف آخر حول معاني الشعر :" أتبقى كما كانت بدوية أعرابية، أم تتحضر كما تحضّر الناس؟ ... أيعيش الشعراء عصرهم الذي هم فيه، أم يعيشون عصور الآباء والأجداد؟ " .
هذا الخلاف حول اللفظ، والمعنى: كان أشد أنواع الخلاف إنتاجاً وأكثرها خصباً ...وكان هذا كل ما عرف العرب من اختلاف في الشعر بين القدماء والمحدثين: اختلاف في اللفظ نشأت عنه مدرسة مسلم بن الوليد، التي أخرجت أبا تمام والمتبني وأمثالهما من أصحاب البديع، واختلاف في المعنى نشأت عنه مدرسة أبي نواس التي أخرجت البحتري وغيره من أولئك الشعراء، الذين آثرو اللفظ القديم والمعنى الجديد، ولم يتكلفوا بديعاً ولا استعارة ولا جناساً " لقد احتلّت قضية اللفظ والمعنى، إذاً، حيّزاً هاماً من النقاش الدائر بين أنصار القديم وأنصار الحدّيث. بل إن بعضهم يذهب إلى القول: " إن محور تلك الخصومة كان تجديد المحدثين لمعاني القدماء وفشلهم أو توفيقهم في ذلك " فالبحتري، بحسب الآمدي، " يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام... ويتعمّد حذف الغريب والوحشي من شعره، ليقرّبه على فهم من يمدحه" أما أبو تمام، فكان " يستكره الألفاظ والمعاني،.. بل إنه تعّمد أن يُدلّ في شعره على علمه باللغة وبكلام العرب. فتعمد إدخال ألفاظ غريبة في مواضع كثيرة من شعره " هذا هو رأي أنصار البحتري في الشاعرين. أما خصومهم فيرون أن ما أُخذ على أبي تمام في اللفظ، والمعنى مسبوق إليه :" ففحول الشعراء - الذين غلبوا عليه، وافتتحوا معانيه، وصاروا قدوة فيه، واتبعهم الشعراء، واحتذوا على حذوهم، و بنوا على أصولهم ـ ما عُصموا من الزلل، ولا سلموا من الغلط " وإن أساء صاحبهم، فالبحتري أيضاً " قد أساء " . ويعود أصحاب البحتري ليردّوا على خصومهم بأن " أخذّ السهو والغلط على من أُخذ عليه من المتقدمين والمتأخرين، في البيت الواحد والبيتين والثلاثة، وربما سلم الشاعر المُكثر من ذلك البتة " . هذا، على حين كان أبو تمام " لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أبيات عديدة، يكون فيها مخطئاً، أو مُحيلاً، أو عن الغرضِ عادلاً، أو مستعيراً استعارة قبيحة، أو مفسداً للمعنى الذي يقصده بطلب الطباق والتجنيس، أو مُبهماً له بسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم، ولا يوجد له مخرج " بعد هذا الدفاع عن المتقدّمين، يأبى أنصارهم إلاّ أن ينزّهوهم عن كل عيب وغلط، فينسبون أغلاطهم إلى السهو، " والسهو فيه إنما دخل على الرواة.. وليس ينبغي له أي للمتأخر) أن يتبعهم أي العرب) فيما سهوا فيه " ويتابع خصوم أبي تمام الدفاع عن صاحبهم، فإن كان البحتري قد أخطأ في بعض شعره، فإنه لايكون بذلك " داخلاً في جملة المسيئين، ولا الخاطئين في الشعر، لجودة نظمه، واستواء نسجه، ووقوع لفظه في مواقعه، ولأن معانيه تصحّ في النقد، وتخلّصُ على السّبر والسبك، وأبو تمام يتبهرج شعره عند التفتيش والبحث، ولا تصحّ معانيه على التفسير والشرح " لقد حدّد طرفا الخصومة، وهما يتبادلان الحجج بينهما، نظريتهما في اللفظ والمعنى. فأنصار القديم يميلون إلى المعنى القريب، البعيد عن التعقيد، و إلى اللفظ الواضح المطابق لدلالته المعنوية، لهذا قدّموا البحتري على أبي تمام. وهم، في موقفهم هذا كانوا يفصلون بين اللفظ والمعنى، وهذا يعني بالتالي " أن الشعر عندهم) محاكاة، أوهو إعادة سبك لعناصر سابقة " أما كون المعنى قريباً، فهو يعني أنه: مسبق موجود قبلياً "، له رصيد سابق في أذهان المتلقين . على هذه الرؤية التقليدية ثار أنصار الجديد، فلئن كانت " اللغة مستودع الماضي"، إنها " في الوقت نفسه ينبوع المستقبل، من حيث إن الأساسي هو كلام الشاعر، الخاص به، ومن حيث إن الكلام يفتح بعضه بعضاً ." وعليه فإن الشاعر مدعو إلى تأسيس تعبير جديد تتحقق فيه الوحدة بين ما يقال وطريقة القول" أي هو مدعو إلى أن يكون كلامه مطابقاً للمعنى الحادث الجديد، لا للمعنى المسبّق القديم، كما يريد التقليديون، وكما أصرّ علماء اللغة والنحو وهنا يكمن سرّ النقد الموجه لأبي تمام، فهو " يخالف قواعد اللغة لأنه متعمّق في المعاني، فيضطره هذا التعمق إلى أن يحمّل اللغة أكثر مما تطيق، ولا يجوز للمحدثين أن يتصرفوا في اللغة " وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى في حَرَم اللغة، وأمام قضية قدسيتها. وبذلك، تنحلّ مشكلة الخصومة حول اللفظ والمعنى، بين أنصار القديم والجديد. فالبحتري ملتزم بقدسية اللغة، محافظ على ألفاظها ودلالاتها المعنوية كما أقرّها عمود الشعر العربي. أما أبو تمام، فخارج على اللغة، يسعى إلى المعنى البعيد، فيضطر إلى تسخير اللغة له. وهكذا يقوم مذهب أبي تمام في اللفظ والمعنى على اعتماد " المعنى غير المألوف، واستخدام الكلمة العربية بطريقة غير مألوفة، أي نقل اللفظ عن معناه المعروف.. وهو مذهب) جديد مخالف للطريقة التقليدية في كتابة الشعر آنذاك . لكنه، إذا كان خروجاً على الطريقة، فهو ليس خروجاً على الشعر، بل إنه أفق شعري آخر ". وعلى الرغم من مهاجمة النقاد مذهب أبي تمام في اللفظ والمعنى، نراهم، بالنسبة إلى المعنى، قد " سلّموا له بالشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني " أما فيما يخصّ اللفظ، فنرى الزمخشري يدعو إلى الاستشهاد بشعر أبي تمام نفسه، فيقول: " وهو، وإن كان محدثاً لا يُستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيتُ الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه "ويذكر أن الزمخشري نفسه استشهد بشعر أبي تمام في الكشاف . وقد كان للخصومة حول اللفظ والمعنى أثر كبير في دراسة السرقات، فادّعاء المحدثين السبق والابتكار في ما أعادوا صياغته وتقعيده من معاني القدماء، كان أدعى لخلق مشكلة السرقات من موقف أنصار القديم " وقد دفعت دراسة السرقات، بالتالي، النقاد إلى الاهتمام بالموازنة " فقد كان هؤلاء النقاد حريصين جداً على أن يكشفوا في كل جهود الشعراء، الصورة العارية، لأن هذه الصورة هي مأثورهم الذي يعتزون به... إن الاهتمام بالموازنة بين الشعراء كشف الاهتمام الغريب بالعناصر الثابتة، وخيل إلى النقاد أن العناصر الثابتة تنافس العناصر المتطورة أو الطارئة. فالمأثور أو أصل المعنى أو الصورة العارية ذات قدم راسخة.. إن الاهتمام بالموازنة بين المعاني في اللغة العربية، له دوافع تَخَفْىَ عَلَيْنا الآن، أهم هذه الدّوافع هو كما قلنا أن يُثبت الناقد أن الجماعة أهم من الفرد، أنّ المأثور ينافس المبتدع، أن الصورة العارية لها وجاهة وإن خلت من آثار الفردية والخيال. هذه الصورة الأولى تبلغ أقصى ما قدّر لها من حبّ حين تسمّى تسمية مشهورة هي الفطرة. والفطرة صافية نقية بسيطة كجمهور الناس، أي أن فكرة الجمهور أخذت مكانة ضخمة في ظل الفطرة أو الصورة الأولى أو المستوى الأوّل "وفي ذلك عودة إلى قضيتي الطبع والتقليد.
بقي علينا أن نشير إلى أن عناية أبي تمام بمعانيه والبحتري بألفاظه، جعلت الكثير من النقاد يقصرون إبداع الأول على المعاني، والثاني على الألفاظ، وإن كانوا قد انتبهو إلى عناية الأول باختيار ألفاظه، والثاني بانتخاب معانيه. يقول ابن الأثير: " فأبو تمام ربّ معان وصيقل أذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمشِ فيه على أثر... أما البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق.. وأتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصمّاء، في اللفظ المصوغ من سُلافة الماء... "
ويبقى الشعر، أخيراً، إبداعاً لغوياً، أداته الرئيسة اللفظ، ومادته المعنى. ولمّا كان كل شاعر يسعى إلى الأصالة والتفرّد، كان لابدّ له أن يطوّر في لغته ومعانيه، وإلاّ بات نسخة طبق الأصل عمّن تقدّمه، فالشاعر يخلق لغته بالخروج على النسق المألوف، وبخروجه هذا يطوّر معانيه، إذ اللغة وعاء المعنى. وبذلك تصبح الصلة وثيقة بين الشعر والشاعر، فلايعود هذا مقلّداً أو مقيّداً بنماذج مألوفه، لها رصيد نفسي عميق لدى المتلقين. وبعودة حقوق الإبداع للمبدع، وبخروجه على تلك القيود، يصطدم بالآخر، فينشأ عن هذه الصدمة رفض ومعركة وخصومة.
ويبقى السؤال: أيهمّا أجمل، وأين تكمن الأدبية؟: في شعر معانيه مطروقة ولغته مألوفة، أم في شعر يصدمك في ألفاظه ويدهشك في معانيه؟ إن قيمة الإدهاش وما يرافقها من لذة ومتعة في الكشف، هي الحلقة المفقودة التي ينبغي البحث عنها في الحكم على الشعر. سواءٌ أوافق هذا الشعرُ مذهب الأوائل أم لم يوافقه ‍ فنحن حينذاك في محراب الشعر حقّاً.
مقدمة الآمدي:
لقد اخذ الآمدي على نفسه عهداً في كتابه هذا بأن يكون موضوعيا في موقفه، ومحايداً معتمدا الحق، ومتجنباً الهوى.
ومن خلال مقدمة الموازنة نستفيد أن الآمدي قد وجد أمامه من يقف إلى جانب أبي تمام ومن يقف إلى جانب البحتري، فمن فضّل أبا تمام فقد "نسبه إلى غموض المعاني ودقتها، وكثرة ما يورده مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام"، ومن فضّل البحتري فقد "نسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلّص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المأتى، وانكشاف المعاني، وهم الكتّاب والأعراب والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة".
كما وجد الآمدي من يجعل الشاعرين في طبقة واحدة وأنهما متساويان، كما وجد من اعتبرهما مختلفين من حيث الالتزام بعمود الشعر، وكان يستهدف الآمدي إلى الموازنة بين الشاعرين دون أن يذم أحدهما، كما أعلن اختلاف مذاهب الناس في الشعر ذاكراً بأنه لايريد أن يفصح بتفضيل أحد الشاعرين على الآخر، ولكنه أراد أن يوازن بين قصيدتين من شعرهما إن اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى ليقول: "أيهما أشعر في تلك القصيدة، وفي ذلك المعنى ثم أحكم أنت حينئذ على جملة ما لكل واحد منهما إذا أحطت علماً بالجيد والرديء".
ومن خلال القراءة النقدية للمقدمة وجدت أنه يضع القارئ المتلقي في خطين متعاكسين:
أ ـ "ممن يفضّل سهل الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء والرونق، فالبحتري اشعر عندك ضرورة".
ب ـ "وان كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولاتلوي على ما سوى ذلك، فأبو تمام عندك اشعر لامحالة.
فهو قد لخص لنا هذين الخطين الشعريين بهذا الشكل من التنظير مفروضاً ومطلوباً للوصول إلى البرهان النهائي والنتيجة الحاسمة عن طريق الاختيار الشخصي للأسلوبية الفنية المعتمدة من قبل المتلقّي نفسه.
وأنكر الآمدي أن يكون هنالك فريق ثالث ينزع إلى الشعرية والإبداع بغض النظر عن إتباع أحد الأسلوبين، لأن التجارب مختلفة عند الشاعر الواحد، وقد يكون النص واعيا لتجربة محيطاً بأفكارها ناجحاً في تصويرها بارعاً في انزياحاتها قويا في نسجها فصيحا في تراكيبها وعباراتها، وبهذا يكون المتلقي تكاملياً في نظرته ونقده. وكنت أتمنّى على الآمدي أن يكون كذلك.
موضوعات الكتاب:
قسم الآمدي بحثه هذا في جملة محاور، هي:
1ـ المحاجّة بين أنصار أبي تمام وأنصار البحتري.
2ـ مساويء الشاعرين.
3ـ محاسن الشاعرين.
الموازنة بين معنى ومعنى.
وقد قدم لكل من هذه المحاور بما يتناسب وأقوال علماء اللغة والرواة، والاستشهاد بالشعر وتضمين الأدلة ببعض آيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وسأتناول كل موضوع من تلك الموضوعات بالدرس والاستشهاد.
1- الاحتجاج:
قدم الآمدي للمحاجة بقوله: "وأنا أبتدئ بذكر ما سمعته من احتجاج كل فرقة من أصحاب هذين الشاعرين على الفرقة الأخرى، عند تخاصمهم في تفضيل أحدهما على الآخر، وما ينعاه بعض على بعض، حيث ذكر اثني عشر قولا او محاجّة من أقوال كل فرقة مع رد صاحب الفرقة الثانية.
ويمكن الاستشهاد بحالة واحدة من ذلك:
"قال صاحب أبي تمام: كيف يجوز لقائل أن يقول أن البحتري اشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ، وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى؟ وباراه.. واعترف البحتري بأن جيد أبي تمام خير من جيده، على كثرة جيد أبي تمام، فهو بهذه الخصال أن يكون أشعر من البحتري أولى من أن يكون البحتري أشعر منه.
قال صاحب البحتري: أما الصحبة فما صحبه ولا تلمذ له، ولا روى ذلك احد عنه، ولا نقله.. ودليل هذا الخبر المستفيض من اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف الثغري".
وقد سار الآمدي على هذه الطريقة ذاكراً الآراء مفصّلة لكل رأي وذاكرا الروايات المتعلقة بذلك.
ويخلص الآمدي إلى نتيجة هذا المبحث قائلاً: "تم احتجاج الخصمين بحمد الله"..
والنتيجة التي انتهى إليها بعد الاحتجاج ان البحتري لم يعتمد الأخذ وإنما يكون ذلك مما يطرق سمعه ويلتبس بخاطره فيورده.
منهج الكتاب:
قدم لهذا الموضوع: "وأنا ابتدئ بذكر مساويء هذين الشاعرين، لأختم بذكر محاسنهما، وأذكر طرفا من سرقات ابي تمام.. ومساويء البحتري... ثم أوازن من شعريهما بين قصيدتين… إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر ذلك في منهج كتابه، وذكر في خطته بأنه سيذكر الانفراد في التجويد والمعاني والتشبيه والأمثال ومختارات مجردة من شعريهما على حروف المعجم.
2ـ مساويء الشاعرين
أولاً: فيما يتعلّق بأبي تمام:
1- سرقات أبي تمام:
اهتم الآمدي بموضوع سرقات أبي تمام، حيث جعلها في مائة وعشرين موضعاً، ذاكراً مصدر السرقة وطريقتها وتحليل ذلك وإعطاء الآراء النقدية فيها، وكمثال على ذلك:
"وقال الطائي:
وركــبٌ كأطراف الأسنة عرّسوا على مثلها والليلُ تسطو غياهبه
لأمرٍ عليـــــهم أن تتــــــمّ صدوره وليـــسَ عليــــهم أن تتـــمّ عواقبه

أخذ صدر البيت الاول من قول كثير:
وركبٌ كأطراف الأسنّة عرّجــــــوا قــــلائصَ في أصـــــــلابهنَّ نحــــولُ

.. وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر:

غـلامُ وغىً تقحّمـــــــها فـــــــأبلى فخــــانَ بــــلاءهُ الزَّمـــــنَ الخـــؤونُ
فكان على الفتى الإقدامَ فيــــــــــها وليس عليه ما جنت المنــونُ

وذكر الآمدي بعد ذكره سرقات أبي تمام بأنه وجد (ابن أبي طاهر) قد خرّج سرقات أيضاً، فذكرها في ستة وأربعين موضعا معلقا عليها قائلاًقراءة في كتاب الموازنة بين الطائيين(فأصاب في بعضها، وأخطأ في البعض، لأنه خلط الخاص من المعاني بالمشترك بين الناس مما لايكون مثله مسروقاً"، وهي من السرقات المعلّلة التي ذكر مصدرها، كما ناقش الآمدي بعضاً منها واعتبره غير مسروق.
وكمثال على ما ذكره ابن أبي طاهر في قول أبي تمام:
لئن ذمّت الأعداء سوء صبــاحـــها فليس يؤدي شكرها الذئب والنــــسر

بأنه مسروق من قول مسلم بن الوليد:
لو حاكـــمتك فـــطالبتك بذحـــلها شـــهدت عليــك ثعالبٌ ونســـــورُ

حيث ذكر الآمدي بأن وقوع الذئاب والنسور وما سواها من الحيوانات والطيور على القتلى إنما هو من قبيل المعنى المتداول المعروف، كما ذكر بأن بيت أبي تمام يحمل معنى غير معنى بيت مسلم.
2 ـ أخطاء أبي تمام في اللفظ والمعنى:
قدم الآمدي لهذا الموضوع بمقولة ما سمعه من أبي علي السجستاني بحق أبي تمام: "انه ليس له معنى انفرد به واخترعه الا ثلاثة معان".
وقد رد الآمدي على السجستاني قائلا: "ولست أرى الأمرعلى ما ذكره أبو علي، بل ارى ان له ـ على كثرة ما أخذه من أشعار الناس ومعانيهم ـ مخترعات كثيرة، وبدائع مشهورة، وأنا أذكرها عند ذكر محاسنه باذن الله.
ثم ذكر أخطاء أبي تمام في المعاني والألفاظ، وقد اعتمد في ذلك على ما في كتاب (الورقة) لمحمد بن داود بن الجراح، وكذلك على ما في كتاب (البديع) لابن المعتز، وكذلك ما ذكره ابو العباس أحمد بن عبيد الله القطربلي.
وكمثال على أخطاء أبي تمام نأخذ ما ذكره أبو العباس حين انكر قول أبي تمام:

رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه يكفيكما ماريت في أنه برد
وعلّق الآمدي على القول بأن خطأه ظاهر، لأنه لايمكن وصف الحلم بالرقة في المدح، وإنما يوصف بالعظم والرجحان والثقل والرزانة مستشهداً بأشعار النابغة والأخطل وأبي ذؤيب وعدي ابن الرقاع والفرزدق، ولكن الشعراء يصغون الحلم بالخفة في حالة الهجاء والذم، ولما كان أبو تمام في حالة مدح لمحمد بن الهيثم بن شبابه فلا يجوز له أن يصف حلمه بالرقة.
وقد أكثر الآمدي من الشروح لهذه الأخطاء وكان يذكر الاستشهادات الكثيرة من الشعراء في الجاهلية والاسلام الى شعراء عصره ليسوقها دليلا على أغاليط أبي تمام. وقد يذكر أخطاء النقاد، حيث ذكر "وأخطأ أبو العباس في إنكاره على أبي تمام أن شبّه عنق الفرس بالجذع، وتلك عادة العرب، وهي في أشعارها أكثر من أن تحصى.
وقد أورد الآمدي خمسة وأربعين خطأ من أخطاء أبي تمام في اللفظ والمعنى.
3ـ الاستعارات البعيدة:
أورد الآمدي خمسة وعشرين شاهداً على قبيح استعارات أبي تمام، ولم يفصل القول الا في أربعة منها، واعتبرها في غاية القباحة والهجانة والبعد عن الصواب، وكان الأجدر به أن يعطينا بعض الشواهد على الجيد من استعاراته، أما الاستعارة الملائمة التي وصلت الينا من العرب فقا ل عنها: "وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس (هو) له إذا كان يقاربه: أو يناسبه أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سببا من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له، وملائمة لمعناه"
وفصل القول في شواهد للشعراء: امرئ القيس، زهير، طفيل الغنوي، عمروبن كلثوم، حسان، وابي ذؤيب، واستعارات من القرآن الكريم، وذكر بان استعاراتها هي الاقرب للحقيقة، لشدة ملاءمة معناها لمعنى مااستعيرت له.
فالاستعارة التي وردت في شعر ابي تمام قد تجاوزت حدودها - كما يراها الامدي، ولذا قال (لأن للاستعارة حدا تصلح فيه، فاذا جاوزته فسدت وقبحت)
حيث ذكر ذلك الموضوع ضمن الجزء المرذول قائلا: (وانا اذكر في هذا الجزء الرذل من الفاضه، والساقط من معانيه،والقبيح من استعاراته والمستكره المتعقِّّد من نسجه ونظمه) وقد سماها بالاستعارات القبيحة التي استعارها ابوتمام في مانيه واخطأ المعنى المطلوب في خمسة وعشرين شاهدا وذكر الامدي مثالا على ردئ استعاراته وقبيحها قول ابي تمام:
مُقَصِّرٌ خُطُواتِ البثِّ في بَدَني علماً بأنِّيَ ماقَصَّرتُ في الطلبِ
فجعل ابوتمام للبَثِّ - وهو اشد الحزن - خطوات في بدنه وانه قد قصرها لأنه لم يقصر في الطلب وانه سهل امر الحزن عليه، ولذلك فالامدي اعتبر ان ابا تمام قد جعل لشدة الحزن خطى قصيرة في بدنه مما جعله سهلا خفيفا، وهذا ضدّ المعنى الذي أراده الطائي.
4ـ التجنيس القبيح:
عرف الامدي التجنيس: (المجانس من الألفاظ... هو ما اشتق بعضه من بعض)
وأورد له أمثلة في الشعر القديم لامرئ القيس والقطامي وذي الرمة والعبسي ومسكين الدارمي وحيان بن ربيعة الطائي والنعمان بن بشير وجرير والفرزدق وقول للنبي محمد9 وبيت لجندل بن الراعي.
والتجنيس موجود في أشعار الاوائل، (لكن انما ياتي منه في القصيدة البيت الواحد والبيتان، على حسب مايتفق للشاعر، ويحضر في خاطره، وفي الأكثر لايعتمده،وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه، فلا ترى له لفظة واحدة)
ولكن أبا تمام اعتمده وجعله غرضه الذي بنى عليه أكثر شعره، وهذه حالة غير مقبولة من الشاعر وتسيء الى معتمدها، وتمنى عليه الامدي الاقلال منه والاعتناء بالألفاظ المتجانسة المستعذبة اللائقة بالمعنى للتخلص من الهجنة والعيب والغثاثة والقباحة والبشاعة والركاكة.
ومع هذا فقد استشهد له بثلاثة شواهد متجانسة مستعذبة دون تفصيل، اذ قال: (فلوكان قَلَّل منه واقتصر على مثل قوله:
* ياربع لو ربعوا على ابن هموم*
وقوله: *ارامةُ كنتِ تألفَ كُلِّ رِيمٍ*
وقوله: *يا بعد غاية دمع العين إن بعدو*
وأشباه هذا من الألفاظ المتجانسة المستعذبة اللائقة بالمعنى - لكان قد أتى على الغرض، وتخلص من الهجنة والعيب)
ومن الأبيات التي تعد من ردئ التجنيس عند أبي تمام قوله:
ذهبتْ بمذهبهِ السماحةُ فالتوتْ فيه الظُّنونُ أمَذْهَبٌ أمْ مُذهَبُ
وكذلك:
فاسلم سلمت من الآفات ماسلمت سلامُ تسلمى ومهما أورق السَّلم
فالأمدي لم يتوسع في دراسة التجنيس القبيح في شعر أبي تمام، رغم انه قال فيه حكمة: (فكانت إساءته فيه أكثر من إحسانه، وصوابه اقل من خطئه) وهذا الحكم النظري بحاجة الى تفصيل وتعليل وتطبيق.
5ـ الطباق الردئ:
وقد اوجز فيه الامدي ايضا، بعد تعريف المطابق وذكر امثلته. حيث عرف الطباق: (مقابلة الحرف بضده، اوما يقارب الضد، وانما قيل (مطابق) لمساواة احد القسمين صاحبه، وان تضادا او اختلفا في المعنى... قال الله عز وجل: (لتركبن طبقا عن طبق) اي: حالا بعد حال، ولم يرد تساويهما في تمثيل المعنى... ومنه طباق الخيل، يقال: طابق الفرس، اذا وقعت قوائم رجليه في موضع قوائم يديه في المشي او العدو... فهذه حقيقة الطباق، انما هو مقابلة الشيء بمثل الذي هو على قدره، فسموا المتضادين - اذا تقابلا - متطابقين)
فالطباق نحو (كذب) و(صدق)، و(بطيء) و(سريع)
وذكر الامدي بان البيت الآتي هو من جيد ابيات الطائي:
قد ينعم الله بالبلوى وان عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
ومن أمثلة الطائي من رديء الطباق مما ذكره الامدي دون تفصيل:
قد لان اكثر ما تريد وبعضه خشن، واني بالنجاح لواثق
وهذا البيت كشاهد من ثلاثة ابيات، ذكرها الامدي دون تحليل، ولكنه تمنى على الطائي ان يتجنبها ليتهذب عظم شعره ويتساقط اكثر ماعيب عليه منه.
6ـ سوء النظم والوحشي من الالفاظ:
اورد الآمدي مصطلح (المعاظلة) وذكر بأنها ((مداخلة الكلام بعضه في بعض، وركوب بعضه لبعض)) كما أورد مصطلح (الحوشيّ) من الكلام وفسره بانه: (هو الذي لايتكرر في كلام العرب كثيرا، فاذا ورد ورد مستهجنا) كما لا يجوز أن يمدح الشاعر السوقة بما يمدح به الملوك.
وكمثال على المعاظلة اورد قول الطائي:
خان الصفاء اخ خان الزمان اخا
عنه فلم ينحون جسمه الكمد
وأما مثال الحوشي الذي كان الطائي يتتبعه ويتطلبه ويتعمد ادخاله في شعره:
أهليس أليس لجاء إلى ههم تغرق العيس في آذيها ألليسا
والهلاس هو شدة الهزال، والأليس شدة الشجاعة، فهو يريد هناك أن ممدوحه لا يكاد يبرح موضعه في الحرب حتى ينتصر أو يهلك. فقد جمع لنا هاتين الكلمتين: أهليس وأليس؛ وهما لفظتان مستكرهتان إذا إجتمعا، ولم يتبين المعنى الا حينما قال في آخر البيت: (ألليسا) ويريد بها جمع أليس.
7ـ اضطراب الأوزان والزحاف
أورد الآمدي حالات اضطراب الوزن في شعر أبي تمام وأشار إلى الزحافات الواردة، وقام بتقطيع الأبيات تقطيعاً عروضياً، وذكر بأن: (هذه الزحافات جائزة في الشعر غير منكرة إذا قلت، فأما إذا جاءت في بيت واحد في أكثر أجزائه فأن هذا في غاية القبح، ويكون بالكلام المنثور أشبه منه بالشعر الموزون)
ومن الأبيات التي استشهد بها هذا الناقد من شعر أبي تمام سبعة شواهد تابعها تقطيعاً وكتابة عروضية وتغييراً في التفعيلات\وكمثال على ذلك، ذكر لنا بيتاً من المنسرح:
ولم يغير وجهي عن الصبغة الـ أولى بمسفوع اللون ملتمعة

وقال عنه الآمدي: (وتقطيعه: ولم يغي* ير وجهيع* نصصبتغل* أولى بمس* فوعللون* ملتمعه
مفاعلن*مفعولات*مستفعلن*مستفعلن*مفعولات*مفتعلن
فحذف السين من مستفعلن الأولى فصارت مفاعلن، وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فصارت مفتعلن.
ومثل هذه الأبيات في شعره كثير إذا تتبعته، ولا تكاد ترى في أشعار الفصحاء والمطبوعين على الشعر من هذا الجنس شيئاً)
ثانيا - فيما يتعلق بالبحتري:
وبعد ان انتهى الامدي من ذكر مساوي أبي تمام، تحول الى ذكر مساويء البحتري،وكانت كما ياتي:
1ـ السرقات:
واورد هذا الناقد مقولة محمد بن داوود الجراح عن ابن أبي طاهر الذي (اخرج للبحتري ستمائة بيت مسروق، ومنها ما أخذه من أبي تمام خاصة مائة بيت).
وقد بدأ الامدي بذكر تلك السرقات ذاكرا مصادرها ومن كان الأفضل في صياغتها والأجود في نسجها، حيث ذكر في بدايتها ثمانية وعشرين بيتا من سرقات البحتري من أشعار الشعراء: العكوك، بشار، الفرزدق، قيس بن الخطيم، محمد بن عبد الملك الفقعسي، ونصربن حجاج ابن علاط، ابي نواس، حسين بن الضحاك، عمرو بن معد يكرب، أبي دهبل الجمحي، منصور بن الفرج، محمد بن يزيد الحصني السلمي، مسلم بن الوليد، شبيب بن البرصاء، ابي صخر الهذلي، عبد الصمد بن المعدل، الحنتف بن السجف الضبي، عبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي، جابر بن السليك الهمداني، عروة بن الورد، والمجثم الراسبي.
ثم اورد السرقات التي خرجها ابوالضياء بشر بن تميم، فذكر في الوجبة الاولى أربعة وستين بيتا مما أخذه البحتري من أبي تمام خاصة، ولكن الامدي بين بالادلة انها ليست من السرقات وانها معروفة في معاني كلام الناس وجارية مجرى الامثال على السنتهم.
واستدل بـِواحدة وأربعين حالة أخرى غير سابقتها مما ذكره ابوالضياء من السرقات، وهي ليست كذلك وجعلها الامدي كالاتي:
ا- مما اورده ابوالضياء من المعاني المستعملة الجارية مجرى الامثال، والتي اخذها البحتري من ابي تمام. وهي عشرون حالة.
ب- مما جاء به ابو الضياء على انه مسروق، وقد اوضح الامدي ان المعنيين مختلفان في كل حالة اخذ وليس بينهما اتفاق ولا تناسب. وهي (7) سبع حالات.
ج- ومما ادعى فيه ابو الضياء على البحتري السرقة، وقد رد عليه الآمدي بانه الاتفاق في الالفاظ التي ليست بمحظورة على احد وهي أربع عشرة حالة.
وكمثال على السرقات التي ذكرها ابو الضياء:
ومن ذلك قول ابي تمام:
وإذا آمرؤ اهدى اليك صنيعة من جاهه فكانها من ماله
وقال البحتري:
حاز حمدي، وللرياح اللواتي تجلب الغيث مثل حمد الغيوم
وعلق الآمدي
بان معنى ابي تمام انما هو مشترك بين الناس، فالمحتاج إنما يطلب حاجته من الله أو من السماء وان تعبير وأسلوب ابي تمام في بيته كان معنى مكشوفا وليس مخترعا، وان البحتري قد أحسن التمثيل واغرب وأبدع.
2ـ أخطاء البحتري في المعاني والألفاظ:
ذكر الآمدي ثمانية مواضع من المعاني الرديئة التي ذكرها البحتري في شعره كمثال على تلك الاخطاء: (وقال البحتري في مدح المعتز بالله:
لا العــــــذل يردعــــــه ولا الــــ تعنيـــــــف عـــــــن كــرم يصده

وهذا عندي من أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنف الخليفة أو يصده؟ ان هذا بالهجو أولى منه بالمدح
ثم أورد الآمدي عيوب البحتري في المعاني، مما ذكره اصحاب ابي تمام،والتي هي ليست بعيوب، وقد رد عليها هذا الناقد بالادلة، وهي في أربعة عشر موضعا.
واعترف بالتعسف والتعقيد في اللفظ في الحالة الخامسة عشرة بعد تلك المواضع وقال عنها بانها الحالة الوحيدة التي تعسف في نظمها البحتري، وهي قوله:
فتى لم يمل بالنفس منه عن العلى الى غيرها شيء سواه مميلها
3ـ ردئ التجنيس:
وذكر من ردئ التجنيس عنده في حالتين جعلهما الامدي شبيهتين بتجنيسات ابي تمام وهما الحالتان السادسة عشرة والسابعة عشرة:
امنا ان تصرع عن سماح
وللآمال في يدك اصطراع
حييت بل سقيت من معهودة عهدي غدت مهجورة ما تعهد
4ـ اضطراب الوزن:
يعتبر الامدي اضطراب الوزن عند أبي تمام اكثر مما هو عندالبحتري، حيث قال: (الا انه في شعر ابي تمام كثير وفي شعر البحتري قليل)
وكان هذا الناقد قد أورد الاسلوب نفسه في التقطيعات العروضية مع ورود الزحافات الجائزة في علم العروض.
وذكر الامدي: (وقد جاء في شعر البحتري بيت هوعندي أقبح من كل ماعيب به ابوتمام في هذا الباب، وهو قوله:
ولماذا تتـــبع النفس شيئا جعل الله الفردوس منه بواء
3- محاسن الشاعرين
فضل الشاعرين: لقد جعل الامدي لكل شاعر من هذين الشاعرين فضله وخصائصه، وهي:
أ - فضل ابي تمام: وكان الامدي قد وجد المنصفين من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه قد اعترفوا لابي تمام بلطف المعاني ودقيقها، وببديع الوصف والحكمة جنبا الى جنب مع الاغراب فيها والاستنباط لها، ففيها (من النادر المستحسن اكثر مما يوجد من السخيف المسترذل، وان اهتمامه بمعانيه اكثر من اهتمامه بتقويم الفاظه، على كثرة غرامه بالطباق والتجنيس والمماثلة)
فمن بديع ابي تماما:
وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت اتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ماكان يعرف طيب عرف العود
وقال ابوتمام ايضا:
هي البدر يغنيها تودد وجهها الى كل من لاقت وان لم تودد
فان لجمال المعاني الواردة في هذه الابيات مايجعلنا نعجب بها حتى وان وردت من شاعر فارسي او هندي لانعرف لغة قوله وانما نعجب بجمال معانيه لابسبب جمال اسلوبه.
ويذكر الامدي تعليقه على تلك الابيات قائلا: (اما كان يكون هذا شاعرا محسنا يثابر شعراء زمانه من أهل اللغة العربية على طلب شعره وتفسيره واستعارة معانيه؟ فكيف وبدائعه مشهورة ومحاسنه متداولة،ولم يأت الا بأبلغ لفظ وأحسن سبك؟).
ب - فضل البحتري: في حين وجد هذا الناقد أكثر اصحاب ابي تمام يعترفون للبحتري بـ: (حلو اللفظ، وجودة الرصف، وحسن الديباحة، وكثرة الماء، وانه اقرب مأخذا واسلم طريقا من ابي تمام، ويحكمون - مع هذا - بان ابا تمام اشعر منه) واختصر لنا الامدي طريقة البحتري بما يأتي، ولا يمكن للكلام ان يكتسي البهاء والرونق الا بها
1ـ أن يكون الشعر حسن التأتي، دقيق المعاني.
2ـ قريب المأخذ، بعيدا عن فلسفة اليونان وحكمة الهند وأدب الفرس.
3ـ اختيار الكلام.
4 ـ وضع الألفاظ في مواضعها.
5 ـ ايراد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله.
6 ـ ان تكون الاستعارات والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه.
واستشهد له بهذه الأبيات
والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طوِّلت خطبه
وكما قال أيضاً:
ومعان لو فصّلتها القـــــــوافي هجّنت شعر جرول ولبيد
حزن مستعمل الكلام اختياراً وتجنّبن ظلــــــــمة التـــــــعقيد
وركبن اللفظ الفريب فأدركـ ن به غاية المراد البعيد
وقال الآمدي: "لأن الشعر أجوده أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلّف، لاتبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولاتنقص نقصاناً يقف دون الغاية".
وتلك هي طريقة العرب في دقة المعاني وبلاغتها، في حسن التأليف وبراعة اللفظ مما يزيد المعنى بهاء وحسنا ورونقاً، "ولهذا قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر ابي تمام"، وهذه هي الصياغة التعبيرية المألوفة للشعر العربي ـ كما يراه الآمدي
وللبحتري ملاحظة نقدية في شعر ابي تمام، إذ قال: "جيّده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه وحلل الآمدي هذا النص قائلاً:
"إن قوله هذا يدل على أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوي الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر، وقد أجمعنا ـ نحن وأنتم ـ على أن أبا تمام يعلو علواً حسنا وينحط انحطاطا قبيحاً، وان البحتري يعلو ويتوسط،ولايسقط، ومن لايسقط ولا يسفسف أفضل ممن يسقط ويسفسف.
فالآمدي اعترف للبحتري بشدة الاستواء وأنه أولى بالتقدمة لعدم وجود الساقط والسفساف في شعره، بخلاف رأيه في أبي تمام والذي وصفه بشدة الاختلاف والانحطاط القبيح والسفساف والساقط في شعره.
وقد أقر في خاتمة هذا التحليل بأن البحتري أفضل من أبي تمام.
ومع هذا وذاك من الميل وعدمه، فإن الآمدي قدم لنا بحثاً نقدياً بين النظرية والتطبيق خص به الشعر المحدث، مبيناً خصائصه المهمة، وعرض لنا روح العصر والمسائل التي تسربت اليه عبر ذوقه وأذواق من درسهما في الموازنة.
وقد دعانا إلى عدم مطالبته أيهما أشعر عنده على الاطلاق.
وان ذلك يمكن معرفته والوصول اليه بالدربة والتجربة الدائمة وطول الملابسة، وقال: "وأكلك بعد ذلك إلى اختيارك، وما تقضي عليه فطنتك وتمييزك، فينبغي أن تنعم النظر فيما يرد عليك، ولن ينتفع بالنظر إلا من يحسن أن يتأمل، ومن إذا تأمّل علم، ومن إذا علم أنصف"..
الموازنة بين معنى ومعنى:
وحين وجد الآمدي نفسه غير متمكّن على أن يوازن بين البيتين أو القصيدتين إذا اتفقتا في الوزن والقافية والروي، وهو الأمر الذي أشترطه على نفسه منذ البداية، فاضطر أن يوازن بين معنى ومعنى.
وقد حلل الأستاذ الدكتور داود سلّوم موازنة الآمدي هذه قائلا: "ثم نظر إلى القصيدة النظرة البدوية التقليدية من حيث الشكل والمضمون والبناء وقد قسم القصيدة إلى ثلاثة أقسام كبرى وهي:
1 ـ الافتتاح.
2ـ الخروج.
3ـ المدح.
.. ويمكن أن نعتبر أن موقفه من الافتتاح والخروج في قصيدة الرثاء هو نفس موقفه في قصيدة المدح".
ثم يبدأ الآمدي بموازنته بين معنى ومعنى ـ كما يقول ـ:"وأنا أبتدئ بإذن الله من ذلك بما افتتحنا به القول: من ذكر الوقوف على الديار والآثار ووصف الدمن والأطلال، والسلام عليها، وتعفيه الدهور والأزمان والرياح والأمطار إياها، والدعاء بالسقيا لها، والبكاء فيها، وذكر استعجامها عن جواب سائلها، وما يخلف قاطنيها الذين كانوا حلولاً بها من الوحش، وفي تصنيف الأصحاب ولومهم على الوقوف بها، ونحو هذا مما يتصل به من أوصافها ونعوتها، وأقدّم من ذلك ذكر ابتداءات قصائدهما في هذه المعاني..."
وفي هذا القسم من الموازنة وجدت الآمدي ذاكراً الموضوعات واستشهاداتها مع تحليلها بصورة دقيقة، مبيناً حسنها أو قبحها، ومعطياً رأيه الصريح فيها.
وكمثال لتلك المعاني، يمكن الاستشهاد بما جاء من شواهد في موضوع (الدعاء للدار بالسقيا) ، حيث أورد لأبي تمام خمسة أبيات، قال الآمدي في الأولين منها، بأنهما ابتداءان جيدان، وهما:
أسقـى طلولـــهم أجـــشُّ هزيـــــمِ وغــــدت عليـــــهم نضرة ونعيــــمُ
سقــــــى عهد الحـــمى سَبَلُ العِهاد وروَّضَ حاضــــــرٌ منـــــــه وبــادي

وأما البيت الثالث:
يا برقُ طـالعْ منـــــزلا بالأ بـــــرق وأحْدُ السَّحــابَ له حُداءَ الأَينَقِ
فقال الآمدي بأن لفظة (طالع) رديئة وقبيحة، ولكن قوله: "واحد السحاب له حداء الأينق" فان لفظه ومعناه جيدان فصيحان، وذكر بأنه خص البرق لأنه دليل الغيث.
وأما البيت الرابع
أيها البرق بت بأعلى البراق وأغد فيها بوابل غيـــــداق
فقال عنه بأنه بيت جيد، وقد أعجب بصورته التي توحي إليك تلك الأرض المرتفعة ذات الطين والحصى بألوانها المختلفة (البراق) والبرق يبيت فيها ويرمي بوابله الغيداق.
وأما البيت الخامس
يا دار دار عليك إرهام الندى واهتزّ روضك في الثّرى فترأّدا
ففصّل القول في الأرهام وهو المطر اللين، وكيف تثنّى الروض لكثرة مائه وغضاضته وقال عنه الآمدي بأنه بيت ليس بجيد اللفظ ولا النسج.
وأورد الآمدي للبحتري سبعة أبيات، جاء في الأول
نشدتك الله من برق على إضم لما سقيت جنوب الحزن فالعلم
وعلّق عليه بأنه بارع اللفظ، جيد المعنى، ومما زاد جودته قوله (نشدتك الله)،وأن البيتين الثاني والثالث جيدان:
سقيت الغوادي من طلول وأربع وحييت من دار لأسماء بلــــقع
أناشد الغيث كي تهمي غواديـــــه على العقيق وإن أقوت مغانيه
وأما البيت الرابع الذي قال عنه هذا الناقد بأنه كثير الماء والرونق:
أقام كل ملثّ الودق رجّــــاس على ديار بعلو الشام أدراس
والمراد بـ: ملثّ الودق: دائم كثير المطر، و(رجّاس) وهو المصوّت الذي يراد به الرعد.
ثم ذكر الآمدي البيتين الخامس والسادس:
لايرم ربعك السحاب يجوده تبتدي سوقه الصبا أو تقوده.
سقى دار ليلى حيث حلّت رسومهـــــا عهاد من الوسميّ وطف غيومها
وعلّق هذا الناقد على هذين البيتين: "وهذان ابتداءان جيدان، وليسا مثل ما تقدم".
وأما البيت السابع:
سقى ربعها سحّ السحاب وهاطله وإن لم يخبّر آنفاً من يسائله
فهو عند الآمدي رديء العجز، بسبب قول البحتري (آنفاً) لأنها حشو لاحاجة للمعنى اليها.
وقد خرج هذا الناقد بعد هذه الموازنة لمعاني أبيات الشاعرين في موضوع (الدعاء للديار بالسقيا)، إذ قال: "وهما عندي متكافئان)
وفيما يأتي جدول بتلك الموضوعات مع النتيجة النقدية:
الموضوع النتيجة النقدية الصفحة
1 الابتداءات بذكر الوقوف على الديار الشاعران متكافئان 416
2 التسليم على الديار أبو تمام أشعر من البحتري 420
3 ما ابتدءا به من ذكر تعفية الدهور للديار البحتري أشعر من أبي تمام 421
4 أقواء الديار وتعفّيها البحتري أجود من أبي تمام 423
5 تعفية الرياح للديار البحتري أجود من أبي تمام 425
6 البكاء على الديار البحتري أشعر من أبي تمام 428
7 سؤال الديار واستعجامها عن الجواب متكافئان 433
8 ما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش البحتري أشعر من أبي تمام 435
9 فيما تهيجه الديار من جوى الواقفين بها متكافئان 436
10 الدعاء للدار بالسقيا متكافئان 439
11 لوم الأصحاب في الوقوف على الديار البحتري أفضل من أبي تمام 446
12 ما قالاه في أوصاف الديار والبكاء عليها البحتري أشعر من أبي تمام 452
13 وصف أطلال الديار وآثارها أبو تمام اشعر من البحتري 460
14 محو الرياح للديار البحتري أجود وأبرع 470
15 ما قالاه في سؤال الديار واستعجامها عن الجواب والبكاء عليها أيضا متكافئان 479
16 من وصف الديار وساكنيها متكافئان مع كثرة احسان أبي تمام 496
17 الدعاء للديار بالسقيا والخصب والنبات لم يذكر حكماً معيناً 497_504
18 مايخلف الظاعنين في الديار من الوحش وغيرها لم يذكر حكماً معيناً 505_511
19 ما قالاه في مخاطبة في الوقوف وفي تعنيف الأصحاب إياها على ذلك لم يذكر حكماً معيناً 512_533
20 ما جاء عنهما في ترك البكاء على الديار والنهي عنه لم يذكر حكماً معيناً 534_537

ومن مراجعة الجدول يتبين ما يأتي:
1 ـ الشاعران متكافئان في [6] ست موضوعات.
2ـ أبو تمام أشعر من البحتري في [2] موضوعين اثنين.
3ـ البحتري أشعر من أبي تمام في [8] ثمان موضوعات.
وبهذا كانت الغلبة ـ فيما يراه الآمدي ـ للبحتري، ولكن الآمدي لم يذكر هذه النتيجة النهائية، وإنما تركها لن لنقولها نحن، وليكون هو في منأى منها، وكأنه لم تكن له يد فيها،وقد اعترف: "وبالله استعين على مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وترك التحامل، فانه جل اسمه حسبي ونعم الوكيل"..
وأنا أشم من هذه العبارات وجود تحامل يروم الآمدي تركه ويوكل الله سبحانه وتعالى على أن يكون الخصيم والحسيب لأعدائه.
الرأي في منهج الكتاب:
يعد كتاب الموازنة للآمدي من أهم الكتب التي ألفت حول هذا الموضوع الذي هو لم يكن خصومة بين شاعرين بقدر ما يكون بين مذهبين شعريين فنيين، وعلى الرغم مما لاحظناه من تتبع لهذا الكتاب وموضوعاته، فإننا قد قرأنا من خلال سطوره وصفحاته بأنه يحاول بطريق غير مباشر أن يفضل البحتري على أبي تمام، وبهذا استطاع إبراز المزايا اللفظية في شعر البحتري مما ليس لها شبه في شعر أبي تمام، وهو بهذا قاس جودة الشعر بحلاوة اللفظ وحسن الديباجة، وقاس أفضلية البحتري بميزان عمود الشعر، وكان يهتم باللفظ ويقدمه على المعنى.
والآمدي لم يتحامل على أبي تمام بدافع شخصي وإنما كان بدافع فنّي، لأن ذوق الآمدي الشعري لم يتفق وشعر أبي تمام.
وذكر الأستاذ طه أحمد إبراهيم: "فنصيب أبي تمام في كتاب الموازنة جسيم، وخصائصه، وعناصر شعره، ومحاسنه، ومساويه، كل اولئك أظهر وأوضح منه عند البحتري.. وان الآمدي أنصف أبا تمام في بعض المواطن المهمة"
ولما كان الآمدي سائراً في كتابه بصدد الموازنة بين الطائيين، فلابد له من إنصاف أبي تمام في بعض المواطن، ومنها:
1 ـ ما نسبه ابن أبي طاهر فيه إلى السرقة وليس بمسروق، وقد دافع عنه الآمدي.
2 ـ دفع الآمدي شبهة أبي العباس القطربلي في إنكاره على أبي تمام أن شبّه عنق الفرس بالجذع في البيت:
هاديه جذع من الأراك، وما تحت الصلا منه صخرة جلس
وقال الآمدي: "وأخطأ أبو العباس.. وتلك عادة العرب وهي في أشعارها أكثر من أن يحصى"
3 ـ أورد الآمدي الكثير من فضائل أبي تمام
4 ـ أنصف هذا الناقد أبا تمام في حالتين من حالات (باب الوقوف على الأطلال) وهما:
أ ـ التسليم على الديار: فقال بأن أبا تمام أشعرمن البحتري.
ب ـ باب في وصف أطلال الديار وآثارها: فقال الآمدي بأن أبا تمام أشعر وأحسن، ولم يعرف للبحتري في مثل ذلك شيئاً.
5 ـ ذكر الآمدي بابا في وصف الديار وساكنيها، واستشهد بشعر الطائيين وذكر في الموازنة بينهما آراء أهل الصنعة الذين يفضلون أبا تمام، وآراء المطبوعين وأهل البلاغة الذين يميلون للبحتري، حيث كان الآمدي مع أهل الطبع، ولكنه قال: "والقول في هذا قولهم، وإليه أذهب، إلا أني اجعلهما في هذا الباب متكافئين لكثرة إحسان أبي تمام فيه".
وقد اتكأ هذا الناقد على آراء الآخرين بكثرة، من علماء ومؤلفين نقل آراءهم ونظرياتهم وحفظها لنا من الضياع، مع ما أورده من شواهد شعرية قيمة واستطرادات كثيرة لإثبات رأيه وصحة فكرته وقوة أسبابه، إلا أن الكتاب: "سيبقى أضخم نتاج عربي في النقد التطبيقي التفصيلي الذي إن دل على شي فإنه يدل على صبر طويل، وأناة عجيبة، وقدرة على جمع النصوص وتقريبها من بعض، وفهم لشعر الشاعرين لايفوقه فيه أحد".
لقد أجهد الآمدي نفسه في جمع الكتب والروايات والنصوص المتعلقة بالشاعرين وشعريهما، وذكر ما استفاد منها بعد مناقشتها وتمحيصها، وأعطى آراءه فيها.
ولذلك لابد لنا من إثبات منهج الآمدي كالآتي:

أ ـ ذكر المصادر:
لقد رجع الآمدي إلى المصادر المختلفة، فكان يذكر أسماء الكتب، وكثيرا ما كان يردفها بأسماء مؤلفيها مع تحديد موضع الأخذ من الكتاب في أغلب الأحيان، وفيما يأتي جدول ببعض تلك المصادر:
اسم الكتاب مؤلفه الصفحات التي ورد ذكرها في الموازنة
1 الامالي ثعلب 361
2 الأنواء أبو حنيفة الدينوري 156-456
3 الحماسة أبو تمام 55
4 ديوان أبن قيس الرقيات ابن قيس الرقيات 141
5 سرقات أبي تمام ابن ابي طاهر 110،120،،121
129
6 الطبقات(طبقات الشعراء) محمد بن سلام الجمحي 391، 10
7 الغريب المصنّف أبو عبيدة القاسم بن سلام 235
8 الكامل المبرّد 524
9 كتاب البديع ابن المعتز 17، 18، 20، 31، 134، 269، 275
10 كتاب الخيل أبو عبيدة 286
11 كتاب الشعراء (طبقات الشعراء) دعبل بن علي الخزاعي 13،19، 287، 391

12 كتاب سرقات البحتري من أبي تمام أبو الضياء بشر بن يحيى 52، 53، 238، 304، 325، 326، 343
13 كتاب سرقات الشعراء (السرقات) ابن المعتز 74، 257، 264، 286، 353
14 كتاب...(ولعله كتاب فقر البلغاء أو الفريد) احمد بن عبيد الله القطربلي 136، 137، 138، 142، 151
15 المعاني للأشنانداني 104
16 نقد الشعر قدامة بن جعفر 274، 275، 277
17 النوادر ابن الاعرابي 156، 362
18 الورقة (.. في أخبار الشعراء) محمد بن داود بن الجراح 13، 18، 19، 26، 66، 134، 135، 242، 291،
فللآمدي فضل كبير في نقل الآراء النقدية التي شاعت في عصر الطائيين وأشار اليها هذا الناقد، وللكتب التي وردت فيها بكل أمانة، وكيف كان يستقصيها.
ب ـ التحقق من النصوص:
وقد لاحظت ان هذا الناقد يحرص على النصوص ويوثّقها إن توافرت الأدلة على صحتها، ومنها:
"وقال رجل من بني أسد.. أنشدنيه لبعض شعراء بني أسد:
تغيّبت كي لاتجتويني دياركم ولو لم تغب شمس النهار لملّت
(وضننته مصنوعاً حتى وجدت عبد الله بن المعتز بالله ذكر في كتابه المؤلف في سرقات الشعر عجز هذا البيت ـ ولو لم تغب شمس النهار لملّت ـ للكميت بن زيد)"
وذكر الآمدي في حديثه عن رد الأبيات إلى قائليها: "وقال ابن قيس الرقيات ووجدتها في ديوانه، والصحيح انها لأبي العباس الأعمى:
بحلوم إذا الحلوم استخفّت ووجوه مثل الدنانير ملسِ"
فهو قد صحح ما في الديوان ووثّقه.
ج ـ الترجيح بين الروايات:
وكان هذا الناقد يوازن بين الروايات المتضاربة، ويرجح أقربها إلى الصحة، ومن ذلك ما كان في حديثه عن البحتري: "انه كان يكنّى أبا عبادة، ولما دخل العراق تكنّى أبا الحسن.. وقد ذكر بعضهم أنه كان يكنّى أبا الحسن، وأنه لما اتصل بالمتوكل وعرف مذهبه عدل إلى أبي عبادة والأول أثبت.
ولم يقف الآمدي عند الكتب المؤلفة التي اعتمدها، بل أضاف إلى ذلك كلما سمعه مشافهة من أفواه الرواة والشيوخ وينص على قائليها، قال:",وأنا الآن أذكر ما غلط فيه أبو تمام من المعاني والألفاظ، مما أخذته من أفواه الرجال وأهل العلم بالشعر عند المذاكرة والمفاوضة" وقال: "وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ أهل العلم بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات.."
د ـ الاستقصاء والاحتجاج:
كان هذا الناقد يهتم باستيفاء مادته التي يروم مناقشتها، فقال: "ولعل قائلا يقول: قد تجاوزت.. وقصّرت، ولم تستقص جميع ما خرّجه أبو الضياء بشر بن تميم من المسروق، وليس الأمر كذلك، بل قد استوفيت جميعه".
وكان يؤمن بالتأمّل الصحيح لغرض الزيادة في الاحتجاج: "لزيادة عندي في الاحتجاج"، وقال: "ثم استقصي الاحتجاج في جميع ذلك، لعلمي بكثرة (المعارضين) من لا يجوّز على هذا الشاعر (الغلط)، ويوقع له التأوّل البعيد، ويورد الشبه والتمويه. وبالله اسعين، وهو حسبي ونعم الوكيل".
ولم يكتف الآمدي بالنصوص الحاضرة المباشرة، بل يفتش بين السطور عن ضالته ويعتمد الاستنباط والاستخراج، قال عن سرقات أبي تمام: ",أنا أذكر ما وقع الي في كتب الناس من سرقاته، وما استنبطته أنا منها واستخرجته..
وقال: "وما استخرجته أنا من ذلك واستنبطته بعد أن أسقطت منه كل ما احتمل التأويل، ودخل تحت المجاز، ولاحت له أدنى علّة"، مما أخذه من أفواه الناس.
هـ ـ مراجعة كتب أهل الاختصاص:
ومما يثبت علمية ودقة الآمدي في البحث، انه رجع إلى أهل الاختصاص في كل ميدان يخوضه ويحتاج فيه إلى مراجعة وتدقيق. ففي معاني الخيل رجع إلى (كتاب الخيل لأبي عبيدة)، وفي معاني الأنواء كان قد رجع إلى كتاب (كتاب الأنواء لأبي حنيفة الدينوري) وفي باب الغريب في اللغة رجع إلى كتاب (الغريب المصنّف لأبي عبيدة القاسم بن سلام)، وفي النوادر رجع إلى كتاب (النوادر لابن الاعرابي).
أما مراجعته لعلماء اللغة والأدب، فكان الآمدي دقيقا في اختيارهم، مما يدل على معرفته الواسعة بمكانة كل منهم وما يمتلكه من خبرات ومؤلفات، وما يتأبطه من آراء ونظريات في علوم اللغة والشعر والتفسير.
وفيما يأتي قائمة ببعض اولئك العلماء
ت الاسم بعض الصفحات التي ذكر فيها
1 الخليل بن احمد الفراهيدي (ت175هـ) 24
2 المفضّل الضبّي (ت178هـ) 395
3 سيبويه (ت180هـ) 182، 204، 383
4 خلف الأحمر (ت180هـ) 24، 392
5 علي بن حمزة الكسائي (ت189هـ) 24، 173
6 أبو عمرو الشيباني (ت205هـ) 269
7 الفرّاء (ت207هـ) 207
8 ابو عبيدة (ت209هـ) 173
9 أبو الحسن الاخفش (ت211هـ) 21، 23، 91، 258، 270، 524
10 أبو زيد الأنصاري (ت215هـ) 524
11 الأصمعي (ت216هـ) 23، 24، 36، 40، 42، 43، 47، 81، 164، 186، 269، 285، 410، 458، 480
12 ابن الإعرابي (ت231هـ) 19، 22، 23، 395، 464.
13 إسحاق بن إبراهيم الموصلي (ت235هـ) 20، 23، 45، 391، 468
14 يعقوب بن السكّيت (ت244هـ) 109، 165، 500
15 أبو سعيد السكري (ت275هـ) 217
16 المبرّد (ت285هـ) 21، 108، 173، 209، 523.
17 ثعلب: أحمد بن يحيى (ت291هـ) 19، 258، 395.
18 أبو إسحاق الزجّاج (ت311هـ) 173، 204
19 أبو بكر الصّولي (ت335هـ) 205
20 وهنالك شخصيات أخرى كأبي حاتم السجستاني وأبي سعيد الضرير وأبي العميثل وغيرهم
و ـ مناقشة آراء العلماء:
كان الآمدي يناقش ما يمر عليه من آراء علماء الشعر واللغة، ولايترك الرأي طراً دون مناقشة، بل يعطي رأيه في الأمر معززاً بالأدلة والأمثلة، كمناقشته لابن أبي طاهر في سرقات أبي تمام، وكيف صحح له ما كان غير مسروق، وكردّه على أبي علي السجستاني في المعاني المخترعة عند أبي تمام، وأنها كثيرة.
ز ـ عرض الأدلة والاستشهادات:
وهو بهذا يعدّ كتاباً نقدياً مهماً، فالآمدي يسوقها بأسلوب شيّق وعرض معلل مفصّل.
ح ـ الاستشهاد بآي من الذكر الحكيم والسنة النبويّة الشريفة:
فهو يأتي بنصوص من القرآن الكريم والسنة، لتعليل حالات المجاز والاستعارة والكناية والتشبيه والطباق والجناس، وتحليل بعض الصور للدلالة على ما في الشعر منها.
المؤاخذات:
إن الذي يمكن أن نأخذه على الآمدي ما يأتي:
1ـ عدم تقويم تراث الشاعرين كلا واحداً دون تجزئة.
2 ـ انه ظل أسير أغلال (عمود الشعر) والمعايير القديمة كمبدأ نقدي وطريقة في الموازنة.
3 ـ الالتزام الشخصي بالشكلانية والقوالب اللفظية.
4 ـ عدم الالتفات إلى مسائل التخييل في المعاني المستعارة في روائع أبي تمام.
5 ـ الميل إلى مدرسة الطبع، وعدم الاقتراب من الإغراب في الاستعارة.
6 ـ الميل إلى مقولة: أجود الشعر أصدقه وليس أكذبه.
7 ـ وجود الاستطرادات الكثيرة التي قد تستوعب نصف الكتاب




المواضيع المتشابهه:

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Privacy Policy سياسة الخصوصية |

Sitemap

الساعة الآن 09:59 AM.


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2018 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
SEO by vBSEO