منتديات احباب عرب  



العودة   منتديات احباب عرب > منتديات عربية > منتديات فلسطين



عائد لاجلك ولأجل الشمس

عائد لاجلك ولأجل الشمس الان تقرع اجراس كل الكنائس معلنة ان مماتي المؤقت انتهى ( محمود درويش) كانت الريح الباردة تهز أطراف معطفه المطري الطويل وهو يتكئ

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-17-2012, 10:50 AM
غربة و شوق غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركات: 20,922
معدل تقييم المستوى: 28
غربة و شوق is on a distinguished road
موضوع منقول عائد لاجلك ولأجل الشمس

عائد لاجلك ولأجل الشمس


الان تقرع اجراس كل الكنائس معلنة ان مماتي المؤقت انتهى
( محمود درويش)



كانت الريح الباردة تهز أطراف معطفه المطري الطويل وهو يتكئ بكوعيه على الأنبوب المعدني الفاصل بين اليابسة والبحر مفكراً بذلك الحنين الذي هبط عليه فجأة منذ أسبوع , لكن الحنين مثل النار قد يخبو لكنه لا ينطفئ !, استدار عائدا إلى غرفته التي يسكنها بعد أن صارت الريح باردة لدرجة مزعجة.

أخذ ينفث النفس الأخير من سيجارته فخرج زفيره الدافئ مختلطا بدخان اللفافة مخترقا الهواء البارد فاندفعت كتله من البخار راسمة خطا ابيض كثيفا.

مر أمامه رجل أشقر طويل يحمل ابنه مبتسما, فظلّ يراقبه حتى اختفى في إحدى الشوارع الجانبية وهو يشعر برغبة الأبوة الغريزية تدغدغه.....استمر يمشي ببطء حتى دخل إلى غرفته الباردة المظلمة, أدار مفتاح الضوء بتلقائية وانسحب إلى المرآة , تطلع فيها فرأى الشيب وقد طرز جوانب رأسه و تجاعيد واضحة على وجهه تنذره بقرب وداع الشباب . ألقى بجسده المرهق على سريره من دون أن يغير ملابسه, نظر إلى سقف الغرفة واستغرق في ذكرياته, تذكر يومه الأخير قبل سفره, دموع أمه , قبلاتها ..نظرة بنت الجيران التي كانت تحبه بصمت وهي تشيعه بعيون مغرورقة وهو يضع حقائبه في السيارة , نظرته الأخيرة للشوارع والناس . أشعل سيجارة وهو يسأل نفسه هل كنت أنانيا حين قررت أن استمتع بالحياة واهجر الوطن؟ هل كنت مجبرا على السفر؟ هل الحياة الممتعة هنا, أفضل من البقاء في المنزل متدفئا بحنان أمي وإخوتي وأهلي ؟ .

أجاب عن أسالته بنفسه: لم يكن هناك شيء يستحقّ البقاء , كانت بغداد تأكل أبناءها , لم أبقى؟

لا شيء هناك لشاب طموح مثلي! كل الأشياء كانت كالحة فحتى طرقات الباب كنا نخافها .

سعل بعنف وأطفأ سيجارته على عجل وهو يدخل في نوبة من السعال , آه صحتي لم تعد على ما يرام مع هذا البرد اللعين (قالها وهو يلوم نفسه على شراهته في التدخين), عاد مفكرا مع نفسه والحنين يعتصره من أسفل قدميه مارا بصدره دافعا حسرة مكتومة بين شفتيه . كانت السماء تمطر بغزارة والبرد قارص في الخارج , خرج من فراشه ونظر من خلال شباك غرفته و تأمل المطر والناس الذين يختبؤون تحت مظلاتهم ويمشون على عجل والشوارع تعكس الأضواء الكبيرة لإعلانات الشركات العملاقة .

غير ملابسه ودفن نفسه تحت غطائه الوثير ونام نوما قللا وحلم كثيرا , حلم بالشمس في بغداد تدفئ عظامه وأمه تنتظره أن يعود من المدرسة كي تضع له الغداء اللذيذ ورأى والده الحنون وهو يشرب الشاي عصرا و سمع أصوات الأطفال تنتشر في الهواء مثل العطور الشعبية في الأسواق , ورأى وجوه أصدقاء لم يكلمهم منذ زمن بعيد وأخيرا حلم ببنت الجيران التي سمع بأنها لم توفق

في زواجها فعاد يفكر فيها ...استيقظ وهو يشعر بالحنين يخنقه مرة أخرى , أراد أن يرضي هذا الحنين الذي هاجمه بلا سابق إنذار و في ظنّه أنه انتصر عليه منذ زمن طويل .

التقط سمّاعة الهاتف كي يرضي هذه الرغبة أو يطفئها قليلا , أراد أن يسمع صوت أمه العجوز , استرق السمع لرنات الهاتف على الجهة الأخرى , جاء الرد سريعا من صوت أخيه الأصغر الذي صار عنده ثلاثة أولاد وبنت , سلم عليه بحرارته المعهودة , سأله عن بغداد وهل صارت أحسن مثلما تقول الأخبار, تحدث بعدها إلى والدته التي كان صوتها بعد كل هذه الأعوام متغضنا كما وجهها ، ولكن ذلك الصوت مازال دافئا وعميقا, فشعر وكانّ ريحا دافئة تخرج

من السماعة وتتحول إلى يدين حنونتين تمسدان شعره وتمسحان ذراعيه ,

آه لقد عاد طفلا في المدرسة وأمّه تمشط شعره قبل أن يدخل درسه الأول و تضمه إلى صدرها , شعر أن صوت أمه صار وسادة هوائية من حنان رفعته من السرير وجعلت غرفته الباردة تشع بالدفء , تمر الأيام أمامه وهو يكبر.... وأمه تكبر بصمت في ألم على الأعزاء الذين أكلتهم الحرب الطويلة , تحسس عنقه حيث قبلتها المبللة بالدموع وهي تشمه وكأنها تقبله للمرة الأخيرة , نزلت دموعه حارة وغزيرة , هرب منها مودعا صوتها المرتجف على عجل وبكى كثيرا , بكى وكأنه كان يختزن الدموع لهذا اليوم ... فكرة العودة دخلت إلى رأسه بسرعة مثل الرصاصة ...هل أعود؟ هل اترك كل الجمال و الطمأنينة هنا؟ هل سأستوعب ذلك الفارق ؟ سأل نفسه عشرات الأسئلة ولكنه لم يفكر طويلا ...

خلال أسبوع أنهى كل شيء هناك , وسلّم مفتاح غرفته لصاحبة المنزل وهي تسأله هل صحيح انه سيرجع ؟ أجابها وهو يبتسم : لقد عشت أياما سعيدة هنا وحان الوقت كي أعود إلى هناك حيث الشمس و....دفء أمي .


المواضيع المتشابهه:

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Privacy Policy سياسة الخصوصية |

free counters

Sitemap

الساعة الآن 05:51 PM.


Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2017 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
SEO by vBSEO

Security team